فقدت كلمة المرور | تسجيل عضوية جديدة

البحث

بريدك الالكتروني



المقالات >> مقابلات >> حوار مع مجلة البيان 1/2

حوار مع مجلة البيان 1/2


د. سعيد بن ناصر الغامدي في حوار موضوعي مع البيان عدد ذو الحجة1425هـ

يقوم الاتجاهات الحداثية العربية الجديدة في الساحة النقدية :



التحرير:

تجاوزت الحداثة التي يتبختر بها بعض المنتسبين إلى الأدب والثقافة من بني جلدتنا التجديد في الأشكال والقوالب الأدبية، لتقدم فكراً وثقافة ورؤية اجتماعية وأخلاقية. وراح كثير من دعاتها يتيهون في مستنقعات الفكر الغربي، ويتقلبون بين مدارسه المختلفة بعقلية هزيلة لا تملك سوى التبعية والإمَّعية الساذجة، وربما تصدّر بعض هؤلاء الحداثيين العرب منابر الأدب والثقافة والإعلام، وتحذلقوا بمصطلحات فلسفية مستوردة، وعبارات رمزية مقَّنعة، تحت شعار الإبداع والتجديد الأدبي والثقافي..!!

 

ويسعدنا في مجلة البيان أن نستضيف فضيلة الدكتور سعيد بن ناصر أستاذ العقيدة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة ليكشف لنا حقيقة الاتجاهات الحداثية العربية.

 

وفضيلته له عناية مبكرة في دراسة الفكر الحداثي العربي، وكانت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: (الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها.. دراسة نقدية شرعية) في كلية أصول الدين، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة مطبوعة في ثلاثة مجلدات كبيرة.

 

 

البيان: يتهرب الحداثيون كثيراً من تعريف الحداثة، ويخلطون ما بينها وبين التحديث، وقد نجد لهم العذر لسببين:- السبب الأول: تعدد مدارس الحداثة ما بين المدرسة الأوروبية، والمدرسة الأمريكية والروسية، وغيرها من المدارس الفكرية المتنوعة، والسبب الثاني: هو أن الذين ينقلون هذه النظريات الفكرية التي تعالج نظرة الغربي للإنسان والكون والحياة عندما يطبقونها على الواقع يدعون أنها نقد أدبي لا يجدون مسوغاً أمام المتلقي ـ وهو يرى دعوة تغييرية لا تتوافق مع عقيدته ونظرته ـ إلا أن يسعوا للهروب من التعريف أو يقوموا بالخلط بين التحديث والحداثة؛ فما رأي فضيلتكم في تعريف الحداثة؟

الحداثة عند أصحابها في الغرب ثم عند المستعيرين لها في الشرق مصطلح عسير التحديد مضطرب الحدود، محمل بمعاني مشكلة، ومضامين ملتبسة متداخلة مع عبارات أخرى مثل (المعاصرة) و (التجــديد) و (التحديث) و (التطوير)، وهذا الاضطراب في تعريف الحداثة أورث أفكاراً مضطربة وغير منضبطة في فهم مضمون الحداثة، وأنتج خلطاً بين الحداثة الفكرية الفلسفية، والتحديث العصري التقني؛ ففي الوقت الذي يحاول فيه كاتب مثــل د. الغذامي أن يعرف الحداثة (بأنها التجديد الواعي .. أي وعي في التاريخ وفي الواقع) نجده يشير إلى أن هناك تعريفات أخرى عند أدونيس تقول أو توحي بموقف مختلف في مسائل التراث (حكاية الحداثة ص 36)، وهذا نمط من الالتباس والتلبيس؛ فقضية التجديد الواعي لا يردها أحد، ولكن أي تجديد؟ وما هو الوعي المقصود؟ وهل علماء الإسلام ودعاته ومثقفوه إلا أصحاب تجديد واع وإن كانوا بدرجات مختلفة؟ بل إن هذا التجديد الواعي ـ بحسب منهجيتهم القرآنية والنبوية ـ هو الذي يُلمزون به ويُشتمون ـ من قبل الطرف العلماني ـ بألفاظ من قبيل: (الإسلام الشمولي، والإسلام السياسي، التيار التقليدي، النسق المحافظ) وغير ذلك0

 

ثم إشارته إلى أدونيس وتعريفاته التي يقول عنها بأنها توحي بموقف مختلف في مسائل التراث تلبيس آخر؛ فهو لم يقلْ: تنص على موقف مناقض للدين ومناهض لقضاياه، كما هو واضح جلي في كتب أدونيس، ثم لم يقل: نصوص الوحي، بل قال: التراث!! والمراد من إيراد هذا المثال إظهار التلبيس والالتباس حتى عند من يرى نفسه أحد كبار الفاهمين للحداثة والواعين لها، وعلى الرغم من هذا الاختلاف في المفاهيم والاختلاف في العبارات وفي المعاني نجد أن الحداثة الفكرية تتفق على عدة قضايا منها: القضاء على فكرة الثابت والمؤسسي والاستعاضة عنها بفكرة الصيرورة الدائمة، ومنها التشبث بأغصان المادية المتشعبة ابتداءً من الدوران في إطار (الفكر الإنساني/الهيوماني) (الاستناري) الذي يجعل الإنسان هو المركز وعقلانيته هي المصدر والمنطلق، وانتهاءً بالجسد واللذة والمنفعة، وحاجة سوق العمل والاستهلاك، والقوة ومعدلات الإنتاج.

 

إن التأمل في المنظومات التعريفية الحداثية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يجد أنها تنطوي على كامن فكري جوهري بدايته إعلان استقلال الإنسان واكتفائه بذاته، ونهايته الوصول إلى تأليهه، لتكون الخاتمة بالقضاء عليه (فكرة موت المؤلف) (موت المبدع) (تفكيك الإنسان) ونحو ذلك.

 

إن البداية الحداثية الفكرية الفلسفية تدور حول (مركزية الإنسان) واستقلال وجوده، وهو ما يعرف بـ (الفكر الهيوماني) ولهذه الفكرة تعبيرات مختلفة منها (العقلانية، الاستنارة، البنيوية، التفكيكية.. إلخ) وهذه البداية اقتضت وتقتضي تجاوزاً لكل ما يعتقدون أنه (نسقي) أو (محافظ) أو (ثابت) أو (مؤسسي) إلى أن تصل في أقصى درجات غلوها إلى تجاوز (الغيبي) و(القيمي).

 

كـل ذلـك فـي إطـار تـصفية الثنائيات ـ حسب تعبيرهم ـ فالنص دال ومدلول معاً، والإبداع كاتب وقارئ؛ لأن (المؤلف مات بمجرد إنتاجه)، والثقافة فعل ومفعول في الوقت ذاته، إلى آخر ما هنالك من حذف للفواصل والحدود والأقواس في تراكميات لفظية تعود جميعها ـ جوهرياً ـ إلى إلغاء ثنائية الخلق والخالق، وهي الثنائية التي تعني عند المؤمن الانفصال التام بين الاثنين، وتعني افتقار المخلوق إلى خالقه، وإلغاء هذه الثنائية هو ما عبر عنه نيتشه بـ (موت الإله)، وعبر عنه بعض الحداثيين العرب بـ (انتهاء المتعــاليات) و (عودة الوجـود الإنسانـي) و (أنـسـنة المقـدس) و (أنسنة الوحي) وغير ذلك من التعبيرات.

 

ربما لا يوافق بعض الناس على ظهور الحداثة بهذه الصورة الصلعاء، وإن كانوا يتداولون مدلولات تنتهي في سياقها الفكري والفلسفي إلى ما أشير إليه آنفاً، ولهؤلاء يتوجه سؤال عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تفاعل إشكالية انفصال الدال عن المدلول بدءاً بالدراسات الأكاديمية النقدية والثقافية، وانتهاءً إلى الإطار الفلسفي والحضاري، بل لماذا نرى التحولات الغربية تتولى في موجات منداحة من الهيومانية إلى التنوير إلى البنيوية إلى ما بعد البنيوية؟ ثم نجد محترفي (الاستغراب) يتشربون ذلك، وينقلونه بحماسة شديدة، مدعين انفصاله عن جوهره، وانقطاعه عن جذوره الفكرية التي نما وترعرع عليها؟

 

أليست هذه الإشكاليات تجعلنا ندرك المضمون الفلسفي والإطار الأصولي الذي يجمع كل هذا الشتات؟ وهل استطاع المستعيرون إدراك هذا البعد الكلي، أم أنهم كانوا أوفياء في النقل بلا فهم؟ أم أنهم أدركوا ذلك، ولكن مقتضيات الأسواق المحلية لا تسمح لهم بكشف كل شيء والدعوة إليه؟ هل يمكن لنا ونحن نقرأ أقوالاً ضد (الأنا المتعالية) أن ندرك السلسلة (النسقية الفلسفية) التي أنتجت هذا المصطلح؟ وهل يليق أن نبتر هذا المفهوم عن سياقه الذي أنجبه وأخرجه؟ إذا كان الجواب بنعم، فلا بد من البرهنة على ذلك، وإلا كان هذا الفعل الثقافي ضرباً من التستر وهو فعل خطير.

 

 

البيان: فضيلة الشيخ سعيد، يتردد على أسماعنا اليوم، ونقرأ في مقالات هؤلاء الحداثيين ما أطلقوا عليه النقد الثقافي، وأصبحوا يسوقون له في كتاباتهم ومنتدياتهم؛ ما علاقة هذا بالأدب؟ ثم ما الخلفية الفكرية التي ينطلق منها هذا المصطلح أو بالأصح النظرية؟ نريد وضوحاً في تعريف هذه النظرية؛ لأن الذي يرجع إلى كتبهم وتأصيلاتهم كالعادة يجدها طلاسم من المصطلحات المنحوتة التي لا تعود لأصول اللغة العربية؟

من أوائل من قال بالنقد الثقافي الباحث الأمريكي (فنسنت ليتش) الذي دعا إلى (نقد ثقافي لما بعد البنيوية)، ثم الألماني اليهودي (تيودور أدورنو) بعنوان (النقد الثقافي والمجتمع)، ثم تتالى استعماله حتى تم استيراده مؤخراً.

 

والنقد الثقافي عند من قال به وألف فيه يعني حسب فهمي لما كتب: أنه نظرية ومنهج في الأنساق المضمرة، أي في المعتقدات الذهنية العميقة؛ باعتبارها نماذج راسخة ومنظومة فكرية ثابتة، ذات أثر في النصوص الثقافية، والجمالية بالذات، تتولد منها هذه النصوص بالضرورة. ويمكن القول بأن النقد الثقافي استعمال للأدوات النقدية لنقد الخطاب الثقافي وكشف مجموعة الأفكار المتآزرة والمترابطة التي تكمن في الأعماق، وتؤثر بشكل حتمي في الفعل الجمالي والثقافي، حتى تصبح ذات وجود حقيقي يمثل الأصل النظري للكشف والتأويل.

 

ولعل من المناسب الإشارة باختصار شديد إلى مفاصل هذا النقد الثقافي عند القائلين به:

1 ـ أنه (نسق) يمكن أن يحدد هذا النسق عبر وظيفته وعمله وأثره، وليس من خلال وجوده المجرد.

2 ـ أنه نظام بنيوي، بمعنى أن له بنية متآزرة كامنة في أعماق الخطاب الثقافي، وهذا النظام له وجهان أحدهما: ظاهر، والآخر: مضمر.

3 ـ أن الوظيفة النسقية تظهر في النص الجمالي خاصة: كالشعر، والقصة، وتظهر في غير الجمالي أيضاً.

4 ـ أن الدلالة النسقية المضمرة موجودة أزلية راسخة لها الغلبة دائماً.

5 ـ أن الوظيفة النسقية لها جبروت رمزي يقوم بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، وهو المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة.

6 ـ النقد الثقافي بمنهجه الموصوف وأدواته المذكورة وأسسه هو عبارة عن رؤية شمولية معززة بآليات ثقافية ونقدية، تستعمل فيه أدوات النقد من مثل: (المجاز الكلي، التورية الثقافية، المجمل، الكلي، المضمر، الكناية.... إلخ).

7 ـ بما أن الأنساق المضمرة هي صلب النقد الثقافي، وبما أنها حتمية؛ فمجموعة المثقفين والمبدعين ليسوا سوى (كائنات نسقية)، ومهما كانت قدرات الثقافة الشخصية الذاتية الواعية فإنها لا تمتلك القدرة على إلغاء مفعول النسق؛ لأنه مضمر من جهة، ولأنه متمكن ومنغرس منذ القديم، وكشفه يحتاج إلى جهد نقدي متواصل ومكثف.

8 ـ المراد بالنقد الثقافي كشف المخبوء تحت أقنعة البلاغة والشعر والنص الجميل؛ ولذلك كان من مطالب أصحابه إيجاد نظريات في (القبحيات)، لكشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي:

ومما سبق يمكن استنتاج الخلفية الفكرية للنقد الثقافي؛ فهو فرع للنقد النصوصي العام، وإن حاول صاحبه التفريق بين نقد الثقافة والنقد الثقافي، ومن ثم فهو قريب من مجال (الألسنية) إن لم يكن أحد حقولها. وبالنظر إلى الشمولية والحتمية المدعاة في النقد الثقافي يمكن تصور العلاقة مع (البنيوية) التي تحدث عنها دعاتها أول ما استزرعت محلياً بالطريقة نفسها، وبحماسة فريدة وقطعية جازمة، وتكلموا عنها باعتبارها مشروعاً فكرياً له صفة شمولية سوف تغير بنية الثقافة العربية بصورة جذرية كما أكد ذلك ـ على سبيل المثال ـ كمال أبو ديب في (جدلية الخفاء والتجلي).

 

وهناك أوجه للالتقاء بين البنيوية والنقد الثقافي منها:

1 ـ تحميل النص وقائله ما لم يرده على أساس لفظي في البنيوية، وعلى أساس مضموني في النقد الثقافي.

2 ـ الحتمية المدعاة في أثر كل منهما ومنهجيته، وهذا يذكِّر بالحتمية الديالكتيكية في الماركسية، كما يذكر بالتلاقي البنيوي الماركسي.

3 ـ الإيمان الراسخ بأن البنيوية (سابقاً) والنقد الثقافي (لاحقاً) ليست مجرد أداة إجرائية للنظر في النصوص الأدبية، بل هي رؤية ومنهج عام وشمولي، بل هي رؤية للعالم والوجود والإنسان.

4 ـ التشابه (الحانوتي) بين الاثنين؛ فكما أعلنت البنيوية موت المؤلف والشاعر والمبدع؛ فقد أعلن النقد الثقافي موت النقد الأدبي.

 

ومع ذلك فهناك فوارق مهمة بين البنيوية والنقد الثقافي، وأهمها ـ في نظري ـ خطورة السياق الفلسفي والمنهجي للنقد الثقافي، وتلك الخطورة تتمثل في تقديري في الآتي:

أولاً : دراسة النسق، المضمر يرتكز على اكتشاف العيوب والخلل النسقي والقبحيات، والأنساق المضادة للوعي والحس النقدي والحيل النسقية، وهذه طريقة سلبية، وقراءة اقتناصية ونقد ترصدي، يعتمد على حذف الإيجابي ومؤشراته، وعزل سياقات ومكونات مهمة، وخوض بحار التأويل المتناقضة.

 

ثانياً: أن النقد الثقافي بأسسه النسقية يقوم على فكرة استباقية وعلى (نسقية مؤامراتية) تفترض القبيح والسلبي والخلل والخداع؛ فهو في حد ذاته نسق مضمر ومهيمن، حسب المواصفات المذكورة عن النسق، وعلى ذلك يمكن أن يصبح مخترع النقد الثقافي مشمولاً بكل ذلك النقد العنيف الذي رسخ مبادئه، وأقل ذلك أن يوصف في مرحلته السابقة للنقد الثقافي بأنه كان تحت حالة (العمى الثقافي) التي وصف بها (الغذامي) مرحلة ما قبل النقد الثقافي، وهذا يعني بكل وضوح أن ما كان قبل اختراع النقد الثقافي فهو جهل وتخبط وارتباك، يندرج تحت وصف (العمى الثقافي).

 

ثالثاً: الاستنباطات الساذجة ـ أحياناً ـ من دراسة الأنساق الثقافية تدل على عيب منهجي وخلل معرفي، وخاصة إذا نظرنا إلى الدعوى الشاملة القاطعة بأن مجالات الثقافية بل الحياة قد (تشعرنت) أي أصيبت بفيروس (الشعر) القائم أصلاً على المجاز والمبالغة وعدم الإنجاز وعدم الفاعلية وعدم المعقولية، وأن هذا التشعرن عم حتى وصل الخطابة والقصة والقيم والأشخاص والأفعال.

 

ومثل ذلك ما توخاه (النقد الثقافي) من الاهتمام بما سماه (المهمشين) في الثقافة العربية وهم: الأقليات الدينية أو الطائفية أو العرقية، والتمركز الانتقائي حول الأنوثة ودراسات الجنوسة/الجندر، والتي منها وبناء عليها انبثق فكر الفحل والفحولة التي يرون أنها عمّت كل شيء بوصفها صيغة استبدادية قهرية شاملة.

 

رابعاً: إن النقد الثقافي بأدواته المذكورة وقراءته الترصدية وبحثه عن العيوب والخلل النسقي سيشمل ـ حالاً أو مآلاً ـ دراسة النسق الاعتقادي عند المسلمين؛ باعتباره النسق الأشمل والأظهر والأرسخ والأعمق.

 

وبالنظر إلى النفسية الترصدية والنظرة التشاؤمية الغالبة على هذا التيار، وبالنظر الى الخلفية الفكرية المؤطرة بالعلمانية فإنه سيجد ـ بحسب تصوراته ـ أنساقاً اعتقادية كامنة لها تأثيرات سلبية ومخرجات قبحية ـ بحسب أصولهم ونظريتهم ـ ومن ذلك على سبيل المثال القضاء والقدر، والولاء والبراء، والغيبيات كالجن والملائكة وخوارق العادات، وأشراط الساعة .

 

هذه الأنساق الثقافية (الاعتقادية) المؤثرة هي التي عرَّفها الغذامي بقوله: (أنساق تاريخية أزلية وراسخة ولها الغلبة دائماً)، وهي وإن حصرها في دراسته بالشعر بوصفه محور اهتمامه إلا أن الآلية بما فيها من تعميمية واقتناص وحتمية تعد منصة إطلاق يمكن نقلها إلى حقول أخرى خارج الأدب والشعر: كالتاريخ، والعلوم الإسلامية، وغيرها لممارسة القصف الشامل، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار أن فحيح الحداثيين ضد الثوابت الاعتقادية والأخلاقية والتشريعية واللغوية قد أصبح سمة على أكثر المنتمين لهذا التيار.

 

 

البيان: د. سعيد: ماذا يقصدون بالنسق في نظريتهم هذه؟ وهل يدخل الدين في تعريف النسق؟ وكيف ينظرون لثوابت الأمة عند مطالبتهم بالتحرر من الأنساق التي تؤثر على عملية التحديث كما يرون؟

سبق في جواب السؤال الثاني الإشارة إلى هذا المعنى، والمراد بالنسق (النظام): أي ما كان على نظام واحد، وكانت عناصره متلازمة ومترابطة بحيث تشكل كلاً عضوياً واحداً، هذا هو (النسق)؛ فالنسق النباتي ـ مثلاً ـ يتحدث عن التمثيل الضوئي والبذور والجذور والأوراق والثمار، ويسمى (النظام النباتي) وفي العلوم النظرية يراد بالنسق: جملة الأفكار والقناعات المتشاكلة والمتآزرة والمترابطة التي تؤلف نظاماً عضوياً واحداً، ومثال ذلك (نسق داروين) و (نسق فرويد) و (نسق دوركايم) و (نسق كانط) وفي العلوم الإسلامية: مجموعة العقائد والكليات والمضامين المتلازمة التي تشكل كلاً معرفياً وعملياً مترابطاً، وهكذا في سائر العلوم والفلسفات والمعارف.

 

وأكثر من يستعمل مصطلح (النسق)؛ هم (البنيويون)؛ فالنسق عند ميشيل فوكو ـ مثلاً ـ علاقات تستمر وتتحول بمعزل عن الأشياء التي تربط بينها.

 

و (النقد الثقافي) يعتمد على قضية (النسق)، وهو عند فلاسفة البنيوية: عامل مؤثر في بلورة منطق التفكير الأدبي في النص.

 

والنسق أيضاً هو الذي يحدد الأبعاد والخلفيات التي تعتمدها الرؤية، ومن هنا يمكن اعتبار النقد الثقافي سليل البنيوية من وجه، وسليل مدارس النقد الثقافي الأوروبي والأمريكي من وجه آخر.

 

و(النسقيون) إن صحت التسمية يرون في (النسق) عموماً وفي الفكر النسقي خصوصاً أنه منغلق على نفسه، وهو بذلك قابل للجمود والركود، وقد يقع في التعصب واللاتسامح.

 

ومن هنا يمكن أيضاً أن نكتشف عيوب وخطورة (النقد الثقافي) والنسقية التي يتحدثون عنها؛ ذلك لأنه نقد مبني على استخراج العيب والقبح والنقص، وهو نقد يعتمد على أن الأنساق (عقدية) كانت أو أخلاقية أو تشريعية أو إبداعية قوة حتمية جارفة أزلية راسخة لها صفة الغلبة دائماً، أضف إلى ذلك أن مروج النقد الثقافي يعدّ أن الكامن الثقافي والمعرفي هو مصدر التشويه والانتكاس، وهذا ينطبق على الكامن العقدي والأخلاقي، وإن لم يقلْ بذلك صراحة، إلا أن منهجيته توصل إلى ذلك قطعاً.

 

والحقيقة أن النقد الثقافي ـ بصورته التي ظهر بها ـ هو نقد أخلاقي، وإن حصره صاحبه في مجال الشعر، إلا أنه منطوٍ على نقد قيمي أخلاقي قابل للتطبيق ـ بحسب فلسفته وآلياته ـ في مجال الثوابت الاعتقادية والتشريعية.

 

وفي تقديري أن كتاب (النقد الثقافي) للغذامي لا يبعد كثيراً عن كتاب (الثابت والمتحول) لأدونيس أو كتاب (زمن الشعر) له، اللهم إلا في اختلاف حقلي الدراسة0

 

وللقارئ أن يقارن بين هذين القولين الآتيين ليرى أوجه التشابه والاختلاف بينهما. يقول أدونيس: (ما يزال نظام العلاقات القديم بكل إرثه هو الفعال السائد في الحياة والثقافة العربيتين على السواء)، ويقول الغذامي في النقد الثقافي ص80: (هناك نوع من الجبروت الرمزي يقوم... بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، وهو المكون الخفي لذائقتها ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة)، ومن هنا يمكن أن نفهم مدى خطورة هذه الأيديولوجيا على ثوابت الأمة ومنطلقاتها.



  Twitter Facebook MySpace Digg Delicious

اضافة تعليق