فقدت كلمة المرور | تسجيل عضوية جديدة

البحث

بريدك الالكتروني



المقالات >> مقالات مختارة >> تخويف إسرائيلي من «أسلمه» الصراع

تخويف إسرائيلي من «أسلمه» الصراع

تخويف إسرائيلي من «أسلمه» الصراع : فهمي هويدي

ما فوجئت به اسرائيل ليس فقط الفشل الذي منيت به حملتها العسكرية على لبنان، ولكن ايضا تلك القدرة الفائقة التي ابداها حزب الله في تحدي آلتها العسكرية على نحو لم يخطر لقادتها على بال، الأمر الذي اعتبره بعضهم طورا جديدا في المواجهة تعد «أسلمة الصراع» من معالمه البارزة، وهو ما استقبلوه بحسبانه تهديدا لوجود اسرائيل ذاتها.

وزيرة الخارجية تسيفي ليفني عبرت عن هذا القلق بصراحة في لقائها مع السفراء الاجانب المعتمدين في تل ابيب، الذي نشرت الصحف العبرية تفاصيله، ومما ذكرته تلك الصحف أن السيدة ليفني اعتبرت ان وجــود اسرائيــل كدولة سيصبح في خطر كبير اذا ما تواصلت مظاهر «أسلمة» الصراع.
وشددت على أن مكامن الخطر في حدوث تلك الاسلمة تتمثل في انها تمد الفلسطينيين واللبنانيين بقدر من الايمان واليقين، يتلاشى معه تماما تأثير قوة الردع الاسرائيلية، القائمة على ميل ميزان القوى العسكرية لصالح الجيش الاسرائيلي.

الرسالة التي ارادت وزيرة الخارجية الاسرائيلية توصيلها الى السفراء الاجانب تتلخص فيما يلي: انه يجب على دول العالم قاطبة أن تسهم في تطويق الحركات الاسلامية، التي نجحت في اقناع المجتمعات العربية بتبني المنطلق الاسلامي فيما يتعلق بالصراع مع اسرائيل. ليس ذلك فحسب، وانما نجحت تلك الحركات ايضا في دفع حتى التيارات القومية العربية إلى تبني منظورها الاسلامي في التعامل مع القضية.

هذه المعلومات اوردها موقع «اسلام أون لاين»، يوم 10/8/2006، في سياق تقرير مهم لزميلنا الصحفي صالح النعامي المقيم في غزة، تحدث فيه عن تعليقات بعض الباحثين الاسرائيليين الذين ارتأوا أن المقاومة الاسلامية في فلسطين ولبنان تستنزف الدولة العبرية، كما انها وحدت المسلمين سنة وشيعة في مواجهة اسرائيل، إلا انهم ارتأوا أن ما يسمى بالاسلام «السني» هو الذي يشكل الخطر الوجودي الأكبر على الدولة العبرية، هذا الرأي عبر عنه البروفيسور عوزي عراد، الذي شغل في السابق منصب رئيس قسم الابحاث في جهاز «الموساد»، ويرأس حاليا مركز «هرتسليا متعدد الاتجاهات» أهم مركز ابحاث في الدولة العبرية. إذ في رأيه أن ما يسميه بالاسلام السني هو الأكثر خطورة، لأن الدول العربية «المهمة» التي تحيط باسرائيل هى دول سنية، من ثم فإن وصول الاسلاميين إلى السلطة في تلك الدول يعني زيادة التهديد للدولة العبرية بشكل لا يمكن تصوره أو توقع عواقبه .

في المناقشات التي جرت حول الموضوع وجه تيدي كوليك رئيس بلدية القدس السابق من على فراش مرضه نداء عبر الاذاعة العبرية، حث فيه الحكومة الاسرائيلية على بذل كل جهد مستطاع، والعمل بكل اصرار من أجل وقف عملية أسلمة الصراع، حتى اذا كان الثمن المطلوب أن تقدم اسرائيل تنازلات كبيرة للاطراف العربية «المعتدلة» في المنطقة. وبصوت مخنوق حذر كوليك الحكومة والمستمعين من أن «عمر بن الخطاب آخر يمكن أن يترجل في هذا الزمان معلنا عودة القدس للمسلمين».

في مواجهة هذا الرأى سخر كارمن غيلوث الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) من دعوات وقف أسلمة الصراع، مشددا على أن هذه العملية اصبحت أمرا لا يمكن تجنبه، على اعتبار أن كل رموز الصراع الموثوق بهم في العالم العربي اصبحوا رموزا اسلامية. وفي المقابل فانه اتفق مع الرأي القائل بان ذلك يتطلب من الحكومة الاسرائيلية تقديم تنازلات لاطراف «الاعتدال» في العالم العربي. تحديدا في فلسطين ولبنان، من أجل قطع الطريق على الاسلاميين، وتقليص دورهم في ساحة الصراع.

في هذا الصدد ضرب الصحفي جاكي كوخي مثالا لدولة عربية هى سوريا، قائلاً انه اذا نجحت اسرائيل في أن تعقد معهـا صفقــة سياسية، فإن ذلك سيجعلها في وضع افضل لماذا ؟ لأن دمشق في رأيه مفتاح الهدوء على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية. من ثم فإن التوصل إلى تسوية معها من شأنه أن يرتب ضغطا قويا على حركة حماس وحزب الله، ويقلص من هامش المناورة امامهما. وانضم كوخي إلى الفريق القائل بضرورة عدم التردد في دفع كل الثمن المطلوب لسوريا، لاقناعها بعقد الصفقة. لكنه حذر القادة الاسرائيليين من الاستسلام لخيار القوة، وقال ان الجيش الاسرائيلي دخل الحرب ضد لبنان معتمدا على قوة نيران هائلة، لكنه عاد منها مثل الكلب الذي يطوي ذيله بين رجليه.

ما اثار الانتباه في هذا المجال أن بين الباحثين من اعتبر أن عجز الدولة العبرية في مواجهة الاسلاميين في فلسطين ولبنان سببه تهاوي منظومة القيم في الدولة العبرية. وقد تبنى هذا الرأي المفكر ارييه شفيط، الذي قال ان حرص المجتمع الاسرائيلي على ملذات الحياة افسده. وكانت نتيجة ذلك الفساد الذي اقترن بتسلط اصحاب المصالح الطبقية والشخصية، إن تمكن بضع مئات من المسلمين المؤمنين من تحدي اسرائيل ذات الجيش القوي، «وقرع بابها متحدين». واضاف «لقد جاءنا جيش صغير من المؤمنين، مطيع ذو تصميم ليقول ان ديمقراطيتنا فاسدة، وان حرصنا الغربي على اللذة فاسد، وانه لا قدرة لمجتمع حر محب للحياة في شرق أوسط متدين».

المفارقة ان النخبة الاسرائيلية تعبر عن قلقها وتخوفها من توظيف الوازع الايماني لدى المسلمين في مقاومة الاحتلال، في حين تحفل اسرائيل بدرجة غير عادية من التعبئة الدينية التي تسوغ احتلال الأرض، وطرد الفلسطينيين ونهب أموالهم بل وابادتهم.

وهى التعبئة التي يغذيها الزعماء الدينيون من خلال فتاواهم، ويرحب بها السياسيون ويستفيد منها العلمانيون والملحدون طالما انها تخدم هدف التمكين للدولة العبرية. وهو المعنى الذي عبر عنه ناشط حقوق الانسان الاسرائيلي الشهير، اسرائيل شاحاك في دراسة له عن الترانسفير (الطرد) في العقيدة الصهيونية، حين استشهد بنكتة يهودية تقول ان نخبة الملحدين في اسرائيل، رغم انهم لا يؤمنون بوجود الله، إلا أنهم يعتقدون أنه منح ارض اسرائيل لليهود!

مما يذكر في هذا الصدد أن الحاخام ايلي عمار، الحاخام الاكبر الشرقي لمدينة صفد الواقعة شمال فلسطين المحتلة (مرجعية مهمة للغاية ومرشح لتولي منصب الحاخام الاكبر لدولة اسرائيل) - صاحبنا هذا التقى برئيس الاركان الجنرال دان حالوتس اثناء زيارته للمنطقة، بعد ثلاثة ايام من بدء الحرب على لبنان، وقدم له فتوى دينية وقع عليها إلى جانبه عدد من كبار الحاخامات في الدولة العبرية، نصت على أنه يجوز للجيش الاسرائيلي قصف التجمعات المدنية اللبنانية، وقتل المدنيين غير المحاربين اذا كان ذلك مما تتطلبه العمليات الحربية.

هذه الفتوى ليست فريدة في بابها ، ولكنها نقطة في بحر. ففي العام الماضي اصدر الحاخام مردخاي الياهو، الحاخام الاكبر السابق واهم مرجعية دينية في اسرائيل، فتوى تدعو لابادة الفلسطينيين بشكل كامل، حتى اولئك الذين لا يشاركون في القتال. ولفت الانتباه إلى انها ليست فتوى في حقيقة الامر، بل «فريضة من الرب يتوجب على اليهود تنفيذها».

هذا المعنى أورده اسرائيل شاحاك في دراسته، حيث قال «ان الفرض المقدس فوق كل الفروض، القاضي بإبادة أى شعب غير يهودي يعيش على الارض المقدسة، يسيطر بدرجة فائقة على التاريخ التوراتي.. كما أنه في الكتابات المقدسة، تلقى إبادة غير اليهود على ارض اسرائيل الحظوة ذاتها، وهو الحاصل ايضا في جميع التفسيرات المهمة للتوراة.

بعد اسبوع من فتوى الحاخام مردخاي الياهو التي حظيت باهتمام اعلامي واسع ووزعت داخل كل الكنس في اسرائيل ، اصدر أحد كبار الحاخامات فتوى اخرى تتيح لتلاميذه في احدى المستوطنات اليهودية شمال الضفة الغربية بسرقة محاصيل المزارعين الفلسطينيين، باعتبار انهم من الاغيار الذين يجوز لليهود استباحة ممتلكاتهم. وبالفعل قام التلاميذ بنهب تلك المحاصيل تباعاً. بل ان الحاخام الاكبر لمستوطنة كريات اربع - دوف ليئور- اصدر فتوى اباحت للمستوطنين تسميم مواشي ودواب وابار المياه التي يملكها المزارعون الفلسطينيون. ولم يقصر التلاميذ في العمل بفتوى شيخهم.

في حين تذهب اسرائيل الى هذا المدى في توظيف المشاعر الدينية لتسويغ مخططاتها الشريرة وتعبئة جماهيرها ضد العرب والمسلمين، كما انها تبدي جزعا من استدعاء المسلمين للطاقة الايمانية وتوظيفها لصالح مقاومة الاحتلال وتحدي صلفه وغروره، في هذه الاجواء لا نعدم اصواتا مريبة تطالب العرب باخراج الدين من الحلبة، بدعوى الحرص على «عدم تسييسه» ومن الحجج التي اوردها بعض اصحاب هذا الرأي «ان الانتصار الاكبر لاسرائيل هو اشاعة وتأكيد الجو الديني لهذه الحرب» - (الاهرام 15/8). وهى حجة فاسدة، تهدمها من الاساس تصريحات وزيرة الخارجية الاسرائيلية وتعليقات الباحثين الاسرائيليين التي سبقت الاشارة اليها.

اننا اذا اردنا ان نحسن الظن بامثال تلك الكتابات فقد نقول انها ضحية التباس في المفاهيم، ادى إلى الخلط بين الانطلاق من العقيدة الدينية لفرض التعاليم بالقوة، أو لاعلان الحرب على عقيدة او عقائد أخرى، وبين الانطلاق من العقيدة لتحقيق انجاز وطني ونهضوي لصالح مجموع الامة. والصيغة الاولى غير مطروحة ليس فقط لانه منهي عنها شرعا، حيث لا اكراه في الدين، وانما ايضا لأنها من افرازات عصور التخلف والانحطاط، في حين ان الصيغة الثانية تستحق الاستحضار والحفاوة، من حيث انها تضيف الايمان الديني إلى الشعور الوطني والقومي، وتوظف قوة ذلك الايمان من خلال قوة تأثيره وفاعليته المشهودة في الذود عن الوطن او النهوض به. وهو النموذج الذي اثبت نجاحه في صمود وبسالة حزب الله، في حين ازعج الاسرائيليين وخوفهم. وهو ايضا ما فطن اليه اليسوعيون في امريكا اللاتينية الذين اطلقوا فكرة «لاهوت التحرير» في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لمواجهة الظلم السياسي والاجتماعي الذي يعاني منه الناس.

افهم أن ينزعج الإسرائيليون ومن لف لفهم من أن ترفع راية «الجهاد» جنباً إلى جنب مع رايات المقاومة الأخرى، في مواجهة طموحات المشروع الصهيوني التوسعية والاستيطانية. لكنني لا افهم أن تضيق صدور بعض مثقفينا بتوظيف الطاقة الإيمانية والجهادية سواء في معركة التحرير أو في معركة البناء والتعمير. ولا اخفي دهشة واستغراباً من استسلام بعض النخب العربية - خصوصاً جهات القرار- لذلك الانطباع البائس، الذي يعتبر تلك الطاقة الإيمانية خطراً يتعين التعامل معه بالاقصاء والقمع، وليس رصيداً يمكن استثماره لصالح عافية الوطن وتقدمه. وهو مسلك يوقع المرء في حيرة تجعله رهين المحنتين، إذ لا يعرف أي السهام يرد، تلك التي تستهدف الوازع الديني من الخارج، أو التي تنهمر عليه من الداخل.

المحزن والمفجع في الأمر أن التجربة التاريخية اثبتت أن تلك السهام عجزت عن تحقيق مرادها في اجهاض الطاقة الإيمانية أو ابطال مفعولها، في حين حققت نجاحاً وحيداً تمثل في أضعاف مناعة مجتمعاتنا، واصابتها بالإعاقة التي أثرت على قدرتها على الحركة فضلاً عن النمو.

 ماذا نسمي هذا: سياسة أم غباء؟!



  Twitter Facebook MySpace Digg Delicious

اضافة تعليق